ماذا يفعل أسعد الناس؟
سمعت اليوم المقطع الصوتي الذي يتحدث عن (الأسرار التي تجعل الإنسان أكثر سعادة) للدكتور آرثر سي. بروكس، أستاذ السعادة والقيادة في جامعة هارفارد، وله مؤلفات كثيرة حازت مراكز متقدمة في قوائم الكتب الأكثر مبيعًا في العالم. وأحببت أن أشارككم الخلاصة التي خرج بها، والتي تُلقي الضوء على أهم أربعة عوامل وأركان للسعادة، وهي موجودة بعمق في تراثنا الإسلامي والروحي… وكأن السعادة كانت دومًا في متناول اليد.
١- الإيمان: حيث يقول:
(أكثر الناس سعادة هم من يُمارسون إيمانهم، لأن ذلك يمنحهم السلام، والتحرر من القلق).
وهذا المعنى هو في صلب ما يدعو إليه ديننا؛ فالصلاة والذكر ليست طقوسًا، بل غذاءٌ للنفس وعلاجٌ للروح:
ﵟأَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ﵞ[الرعد: 28]، وقال ﷺ: “أرحنا بها يا بلال”.
ومن الأنماط البسيطة لذلك: المواظبة على الصلاة، وتخصيص دقائق قليلة يوميًا لأذكار خفيفة بينك وبين الخالق، فهي لحظات توازن عاطفي وتغذية روحية لا تُقدّر بثمن.
٢- الارتباط العائلي:
“الناس السعداء قريبون من عائلاتهم، حتى لو اختلفوا معهم سياسيًا أو فكريًا. القرب لا يعني المثالية بل الاحترام والحضور.” قال ﷺ: “من أحبّ أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه.”
ومن الأفكار التي تساعد على تحقيق ذلك: ضع موعدًا أسبوعيًا لاجتماع عائلي، ولو على مائدة بسيطة، وسامح وتغاضَ عن الخلافات الصغيرة … فالسعادة لا تعني الفوز بكل جدال، بل أحيانًا في القدرة على أن تخسر شيئًا لتكسب شخصًا.
اتصل بوالديك أو إخوتك ولو برسالة، فهي “صدقة شعورية” تُنبت المودة وتُعمّق جذور الرحمة.
٣- وجود أصدقاء حقيقيين:
وليس أصدقاء مصالح: “الأصدقاء الحقيقيون ليسوا مَن يهنئونك على إنجازاتك، بل مَن يردّون على مكالمتك في الثانية صباحًا.”
قال ﷺ: “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالل.”
وقال: “مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير.”
وعلينا أن نسعى لنكون أصدقاء حقيقيين للآخرين قبل أن نطلب ذلك منهم.
ومن المهم أن نكوّن دوائر صغيرة من أصدقاء الصدق، ونقلّل من علاقات المجاملة الجافة.
ولا بأس أن تنسحب بهدوء من علاقة تؤذي روحك… فالصحبة الطيبة لا تؤلم، بل تَشدّ أزرك في اللحظات التي لا يراك فيها أحد.
٤- العمل ذو معنى:
أخذ العمل على محمل الجد مع وجود رسالة، حيث يجد الإنسان معنى في عمله، وهذا يأتي حقًا من شعوره بأنه يكسب نجاحه، ويخلق قيمة، ويخدم الآخرين.
“السعادة لا تأتي من الراتب، بل من شعورك بأنك تخلق قيمة، وتخدم غيرك، وتتقن ما تعمل.”
ومن الأهمية أن نربط العمل اليومي بنيّة سامية: كخدمة الناس، أو إعالة الأسرة، أو إعمار الأرض. وأن نكون مبدعين في العطاء، ولو في أدق التفاصيل.
ومن الجميل أن نراجع أنفسنا دوريًا بالأثر الذي نتركه في الآخرين من خلال ما نقدّمه، فالعمل ليس فقط مصدر دخل، بل مصدر أثر وامتداد للحياة بمعناها الأوسع.
والخلاصة: لتكون أكثر سعادة، عليك أولًا أن تتخذ القرار من داخلك بذلك، وأن تبدأ بتعلّم مسببات السعادة، كما أثبتتها الدراسات، وصدّقتها شواهد ديننا.
وما يسميه علماء النفس في هارفارد “أعمدة السعادة”، يسميه القرآن والسنة “فطرة الإنسان”:
١- الإيمان: علاقة مع الخالق.
٢- العائلة: دفء في الجذور.
٣- الصحبة: ضوء في الطريق.
٤- العمل: بناء للذات والمجتمع.
وأخيراً السعادة ليست لغزًا، بل توازن.
وليست بعيدة، بل تحتاج قرارًا بسيطًا: أن نعيش بوعي.