ابن الأصول
منذ أن كنت صغيرًا، كنتُ أظن أن
“ابن الأصول” هو الإنسان الجيّد، المحترم، الذي ينتمي إلى عائلة عريقة ذات اسم كبير، ولها شجرة نسب طويلة ومتسلسلة. لكنني، وعلى مرّ السنين، ألاحظ تناقضًا في هذه النظريّة: إذ كثيرًا ما تصدر تصرفات لا تليق ولا تمتّ للأخلاق بصلة من بعض أبناء تلك العائلات، في حين ألتقي بأشخاص لا يُعرف عنهم انتماؤهم إلى أسر مرموقة، ومع ذلك يتّسمون بصفات راقية وأخلاق رفيعة تُجبرك على احترامهم وتقديرهم.
اليوم، وبعد أن استمعت إلى المقطع الصوتي للدكتور حسام موافي (رابط الحلقة في الأسفل)، أدركت البعد الحقيقي والعميق لمعنى “ابن الأصول” وأنه ليس لقبًا وراثيًا، بل صفة إنسانية نبيلة، وقد لخّص النبي ﷺ هذا المعنى في الحديث الشريف الذي يضيء هذا المفهوم: “ إن أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، الموطّئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون.” هذا الحديث يلخّص معايير الأصالة، ويمنحنا ثلاث صفات جوهرية تجعل من الإنسان “ابن أصول” بمعناه الحقيقي:
١- أحاسنكم أخلاقاً: هم أصحاب الصدق، والأمانة والكرم والتسامح والرحمة. الذين تظهر أخلاقهم في المعاملة لا في المظهر أو المصلحة.
٢- الموطّئون أكنافًا: اي الهيّنون، الليّنون، المتواضعون الذين يسهل التعامل معهم، ولا يتكبّرون على أحد مهما علت مناصبهم أو مكانتهم.
٣- يألفون ويُؤلفون: وهم أولئك الذين يحبّون الناس ويحبّهم الناس، الذين يسعون إلى بناء العلاقات الطيّبة، ويشيعون المحبة والطمأنينة حولهم.
واللافت في الموضوع، أنّ هذه الصفات تتوافق تمامًا مع ما تتحدث عنه الدراسات الحديثة حول صفات القادة الناجحين وروّاد الأعمال. فقد أثبتت الأبحاث أن العامل المشترك الأبرز بينهم هو " فن التواصل " وهو فن لا يتحقق إلا بوجود الخلق الرفيع، واللين، والقدرة على بناء الثقة والانجذاب المتبادل. وتكاد لا تخلو برامج التدريب القيادي، ولا مناهج ريادة الأعمال الحديثة، من التأكيد على أهمية الذكاء العاطفي، والمرونة، والقدرة على التواصل البنّاء،
وكلها انعكاسات لمعنى الحديث الشريف المذكور أعلاه. والأجمل من ذلك، أن هذه الصفات ليست محصورة بالموروث أو الجينات، بل يمكن اكتسابها بالتربية، والتعليم، والممارسة والتدريب.
لهذا، فإن من الأهمية بمكان أن يعرف جيل الشباب سرّ النجاح الحقيقي، ويُدرك أن العوامل المؤدية إليه تبدأ من الداخل، من الصفات الشخصية، لا من الخلفيات الاجتماعية أو المظاهر السطحية. فـ”ابن الأصول” الحقيقي، هو من اختار طريق الأخلاق، لا طريق الادّعاء. هو من صارت أصالته نهجًا، لا نسبًا، والذي اقتدى بمعنى الحديث الشريف خلقًا وسلوكاً.
https://youtu.be/1pVggTgdTkE?si=JG2VOfJ56QY2SBF8